عبد الله بن محمد المالكي

452

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

وأوهم الحاضرين أنه إنما سأله في حاجة . فبلغ ذلك العراقيين وقيل لهم : « أظننتم أن فلانا يسب محمد بن سحنون ، وهو إنما حادثه في أذنه وسأله حاجة ؟ » فاتفقوا على قطع صلته ، فضاع الرجل وضاع أهله وعياله ووصل إليهم الضرر ، فشكا ما نزل به إلى بعض الصالحين فقال : « إن فعلت ما آمرك به حسنت عاقبتك وعاقبة أهلك في الدنيا والآخرة » قال : « وما هو ؟ » فقال : « عليك بصاحبك الذي كنت تسبه فأطلعه على أمرك » ، فقبل نصيحته ومضى إلى [ ابن ] « 64 » سحنون فوجده في مجلسه والناس حوله ، فأصغى إليه بأذنه على العادة فقال له : « أصلحك اللّه ما جئت لهذا ، وإنما جئت تائبا منيبا مما كان مني إليك » ، فقال له : « اجلس » فجلس . فلما انقضى المجلس أخذ بيده ومضى إلى داره ودفع إليه صرة فيها عشرون دينارا عينا ، وقال له : « اتسع بهذه إلى حين « 65 » يلطف اللّه عزّ وجلّ لنا » ، ثم كتب محمد بن سحنون ثلاثين كتابا إلى ثلاثين رجلا مياسير من أصحابه بالساحل ، يسأل كل واحد منهم في شراء جارية وتوجيهها « 66 » إليه ، فوصل إليه ثلاثون جارية في مدة يسيرة ، فأمر ببيع خمس منهن وكسا بثمنهن الخمس والعشرين الباقيات وحلّاهن وأجلسهن صفا واحدا ، ثم أحضر الرجل العراقي ، فلما دخل أقبل عليه وقال له : « ما أبطأ بك عنا ، أصلحك [ اللّه ] « 64 » ؟ » فقال : « استحياء منك لما سلف من قبح فعلي وسوء لفظي وعظيم إحسانك إليّ » . ثم دفع إليه الجواري ، فخرج من دار محمد بخمس وعشرين جارية . [ وهذا الفعل من محمد ] « 67 » امتثال لقول اللّه عزّ وجلّ : ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) « 68 » ، ثم قال عزّ وجلّ : ( وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) « 69 » . وله في مثل ذلك مقامات عجيبة ، رحمه اللّه تعالى . وكانت له سياسة حسنة ، ومعرفة كيف يلقى الحوادث وكيف يصرفها « 70 » ، ولقد

--> ( 64 ) زيادة من الناشر السابق . ( 65 ) في الأصل : إلى حيث . ( 66 ) في الأصل : ويوجهها . ( 67 ) هذا تعليق للمؤلف على الخبر . ويبدو ان الناسخ اسقط عبارة الافتتاح : فاجتهدنا في اتمامها . ( 68 ) سورة فصّلت الآية 34 . وقد خلط المؤلف بينها وبين الآية 96 من سورة المؤمنون فجاءت هكذا : « ادفع بالتي هي أحسن السيئة فإذا الذي . . . » . ( 69 ) سورة فصّلت الآية 35 . ( 70 ) جاءت العبارة بنحو هذا عند تقديم الخبر السابق .